Skip to content

الملف 4: بناء الدولة الحديثة بالمغرب والمشرق العربي

تنفّع من موارد توجيهية و تعليمية مجّانية
follow us on instagram

بناء الدولة الحديثة بالمغرب والمشرق العربي:

مقدمة:

سعت الدول العربية بعد استقلالها إلى بناء دولة حديثة بأنظمتها وتشريعاتها واقتصادها ومجتمعها، ويعد المغرب نموذجا يقتدى به في تحديث الدولة.

  • فماهي خصوصية الدولة المغربية وطبيعة نظام حكمها بين دول العالم العربي؟
  • وكيف تطور البناء الدستوري والممارسة الديمقراطية البرلمانية والمحلية بالمغرب؟
  • وما هي التطورات التي شهدتها الحريات العامة بالمغرب؟
  • ثم ما هي أهم المظاهر الاقتصادية والسوسيوثقافية لبناء الدولة المغربية؟

المقطع الأول: خصوصية الدولة المغربية وطبيعة نظام حكمها في العالم العربي

أولا: خصوصية الدولة المغربية ضمن العالم العربي:

تميزت الدولة المغربية كسائر دول المغرب العربي بإيديولوجية الدولة الوطنية بخلاف الإيديولوجية الوحدوية التي ظهرت في المشرق العربي. وقد ارتكزت الدولة الوطنية بالمغرب على عدة ثوابت من أهمها؛ استمرارية الدولة الوطنية في المغرب منذ عهد الأدارسة، وثبات رقعته الجغرافية في ما عرف بالمغرب الأقصى (المغرب حاليا) ثم الشرعية الوطنية على أساس البيعة. كما تميزت الخصوصية المغربية عن باقي الدول العربية بمبدأ التعددية الحزبية المنصوص عليها في الدستور الذي لا يعترف بنظام الحزب الوحيد وهو الأمر الذي ينعدم في جل الدول العربية.

ثانيا: طبيعة نظام الحكم في المغرب:

العمل على بناء صرح الدولة الحديثة والعهد الجديد بتأسيس أول حكومة برئاسة البكاي هدفها تدبير شؤون البلاد ووضع أنظمة ديمقراطية على أساس الانتخاب وفصل السلط في إطار ملكية دستورية قوامها الاعتراف لجميع المغاربة بحقوق المواطن والحريات العامة والنقابية ثم مباشرة المفاوضات مع الحكومة الفرنسية لاستكمال استقلال ووحدة المغرب. كما تم وضع العهد الملكي وقانون الحريات العامة وقانون الانتخابات سنة 1957.

وتم في عهد الحسن الثاني إنشاء النظام الملكي الدستوري ووضع القانون الأساسي للمملكة، وتعزيز الانتقال الديمقراطي من خلال تعيين حكومة التناوب سنة 1988برئاسة المعارض السابق عبد الرحمن اليوسفي المغترب والمحكوم عليه بالإعدام الغيابي سابقا.

وهو نفسه الاختيار السياسي الذي سار عليه الملك محمد السادس في تأكيد النظام الملكي الدستوري وتجديد الثقة في حكومة التناوب وتعزيز النهج الديمقراطي في التداول على السلطة وتحقيق التطور والحداثة في تناغم بين الهوية والانفتاح على الخارج.

المقطع الثاني: تطور البناء الدستوري والممارسة الديمقراطية البرلمانية والمحلية بالمغرب

أولا: تطور البناء الدستوري:

حيث أحدث المجلس التأسيسي أو مجلس الدستور سنة 1960 والذي كلف بوضع مشروع دستور جديد سيرى النور عام 1962 والذي أقر الملكية الدستورية وإمارة المؤمنين والحريات العامة والهوية المغربية ثم تلاه دستور 1970 الذي حدد سلطات الملك واختصاصات الحكومة والبرلمان وجاء دستور 1972 الذي عزز مكانة الملك ودور الحكومة والبرلمان وحدد مقدسات الدولة في الإسلام والملكية ومغربية الصحراء وصدور دستوري 1992 و 1996 مع هامش كبير من الحرية والديمقراطية ثم دستور 2011 والذي شكل قفزة نوعية في احترام حقوق الإنسان والتأكيد على صيانة الانتقال الديمقراطي وتعزيز دور الحكومة والبرلمان والقضاء والمجلس الوطني لحقوق الإنسان والعمل المدني والشباب…

ثانيا: الممارسة الديموقراطية البرلمانية والمحلية:

برز الاهتمام بالممارسة الديموقراطية والمؤسسات التمثيلية وإشراك المواطنين في اختيار ممثليهم في وضع قانون الانتخابات سنة 1957 وتنظيم أول انتخابات محلية اعتبرها السلطان محمد الخامس محطة مهمة للمشاركة في تسيير البلاد وتحقيق مصالح العباد.

وهو نفسه الاهتمام الذي عبر عنه الملك الراحل الحسن الثاني عقب إقرار دستور 1962 بإقامة المؤسسات التمثيلية بالانتخابات باعتبارها تعبيرا عمليا لتفعيل الديموقراطية وفق ما ورد في الدستور وكان ذلك في انتخابات مجلس النواب والمستشارين والمجالس البلدية والقروية والمهنية والجهوية عام 1963. إلى جانب اعتماد اللامركزية الإدارية والديمقراطية المحلية بصدور ظهير التنظيم الجماعي 1976 وإنجاز المناظرات الوطنية حولها بين 1977 و 1992.

وفي نفس الإطار اشتغل الملك محمد السادس على إصلاح ميثاق الجماعات المحلية والإقليمية والجهوية لتضطلع بأدوار أهم وأكبر في التسيير من خلال تحسين نظام وضعية المنتخب وحماية المصالح العمومية وتوسيع مجال تدبيره واختصاصاته وإحداث نظام جديد لإدارة المدن في إطار وحدة المدينة.

المقطع الثالث: التطورات التي شهدتها الحريات العامة بالمغرب

أولا: التشريعات والأجهزة الأمنية المواكبة لوضع أسس الدولة المغربية الحديثة:

قام المغرب بعد حصوله على الاستقلال بوضع مجموعة من التشريعات الرامية لتعزيز الحريات العامة للمغاربة ومنها قانون النقابات 1957 وقانون انتخاب الغرف التجارية والمهنية والعهد الملكي وقانون الحريات العامة سنة 1958 وقانون انتخاب المجالس الجماعية وقانون تنظيم الانتخابات 1959 والقانون الأساسي للمملكة 1961، بناء دولة الحق والقانون باحترام الحقوق وجعل القانون فوق الجميع وإحداث هيئات حقوقية مثل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وديوان المظالم والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ومؤسسة الوسيط، كما تم سن مجموعة من القوانين كقانون الجمعيات والشغل والأسرة…

في المقابل خلق مجموعة من الأجهزة الأمنية لتعزيز الأمن بالبلاد منها قوات التدخل السريع والأمن الوطني والقوات المسلحة الملكية سنة 1956 والدرك الملكي 1957 وإدارة المحافظة على التراب الوطني 1973 ثم القوات المساعدة 1976.

ثانيا: الانتهاكات المواكبة لبناء الدولة المغربية الحديثة وتميز التجربة المغربية في معالجتها:

عاش المغرب منذ منتصف الستينات إلى التسعينات من القرن الماضي مجموعة من الاضطرابات والأحداث الاجتماعية كأحداث الدار البيضاء 1965 و 1981 ومدن الشمال 1984 وفاس 1990، وبعض المحاولات العنيفة ضد النظام من قبيل المؤامرة الكبرى ضد النظام 1963 ومحاولتي انقلاب 1971 و 1972 وأحداث جبال الأطلس 1973.

قوبلت هذه الأحداث بتدخلات أمنية عنيفة وصلت إلى حد انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان عرفت بسنوات الجمر والرصاص منها الاختطاف والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة والاستعمال المفرط وغير المتناسب للقوة العمومية. عمل المغرب على تجاوز حالة الاحتقان ومعالجة الانتهاكات السابقة بتجربة متميزة عرفت بالمصالحة والحقيقة والإنصاف والتي تميزت عن باقي التجارب الدولية بكونها تمت معالجة الانتهاكات مع استمرار نفس النظام الذي عبر عن إرادة حقيقة لإحداث قطيعة مع الماضي وانتهاكاته وآلامه ووضع حد للعنف والسير على خطى التحديث والدقرطة بشكل سلس ومرن دون احتقان أو تقاطب.

المقطع الرابع: المظاهر الاقتصادية والسوسيوثقافية لبناء الدولة المغربية

أولا: المظاهر الاقتصادية لبناء الدولة المغربية الحديثة:

اعتمد المغرب النظام الاقتصادي الليبرالي مع تدخل الدولة في التوجيه والتنظيم من خلال المغربة والمخططات الاقتصادية وتشجيع الاستثمار وتطوير التعليم وتكوين وتأهيل الأطر والموارد البشرية. كما تم خلق وزارة الاقتصاد والمالية واعتماد نظام جمركي جديد وتأميم بنك المغرب وإصدار عملة وطنية وتأسيس مجموعة من الأبناك، إلى جانب القيام بإصلاحات اقتصادية جوهرية من خلال سياسة التقويم الهيكلي أو الإصلاح الهيكلي 1983 بهدف تقليص نفقات الدولة وتشجيع الاستثمار الخاص والإصلاحالضريبي والانفتاح على التجارة الدولية.

في الميدان الفلاحي:

تم إنشاء مركز الإستثمار الفلاحي ومؤسسات عمومية لتنظيم ودعم القطاع الفلاحي وإنشاء شبكة من السدود وتكوين الأطر الزراعية وتشجيع الفلاحين على استعمال الوسائل الحديثة. في الميدان الصناعي قام المغرب بإحداث مكتب الأبحاث والمساهمة المعدنية والمكتب الوطني للتنمية الاقتصادية ومكتب التنمية البشرية وإصدار قوانين للاستثمار الصناعي وتشجيع الاستثمارات الخاصة.

في الميدان التجاري:

وضع قوانين الاستثمارات وتوقيع اتفاقيات التبادل التجاري الحر وإحداث صندوق الحسن الثاني للتنمية والتجهيز وإصدار قانون تنظيم الأسعار وانخراط المغرب في المنظمة العالمية للتجارة وتحديث وسائل النقل والمواصلات…

في الميدان السياحي:

شرع المغرب في تجهيز المناطق السياحية وإنشاء القرض العقاري والسياحي. والمكتب الوطني للسياحة وتبنى مشروع استقبال 10 ملايين سائح سنة 2010

ثانيا: المظاهر السوسيوثقافية لبناء الدولة المغربية الحديثة:

المظاهر الاجتماعية:

اهتم المغرب منذ حصوله على الاستقلال بالتنمية الاجتماعية للمواطنين من خلال البرامج المسطرة في المجال الصحي والسكني والتشغيل إحداث مؤسسة محمد الخامس للتضامن وصندوق التنمية الاجتماعية لمحاربة الفقر وبرنامج الأولويات الاجتماعية وتفعيل دول المجتمع المدني… ولعل أهم مظاهر هذا الاهتمام يتجلى في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أعلن عنها الملك محمد السادس عام 2005 وهدفت إلى التصدي للعجز الاجتماعي بالأحياء الحضرية الفقيرة والجماعات القروية الأشد خصاصا وتشجيع الأنشطة المدرة للدخل وكذا ابتكار حلول ناجعة للقطاع الغير المهيكل ثم تلبية حاجات الأشخاص في وضعية صعبة.

استندت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية على الركائز المرجعية الآتية: الاشكالية الاجتماعية في المغرب واعتماد سياسة عمومية مندمجة والانفتاح على العالم ثم الانطلاق من التجارب الناجحة وطنيا ودوليا.

المظاهر الثقافية:

الهوية المغربية:

تجلت في تعزيزها بمختلف روافدها وتراثها الغني ارتباطا بجذورها وانفتاحا على العالم والمستقبل في إطار مشروع مجتمعي ديموقراطي، يعكس ذلك إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية 2001 والاتفاق على إدماج الأمازيغية في نظام التعليم 2003 واعتبارها لغة رسمية في دستور 2011.

تدبير الشأن الديني:

ويتمثل في إعادة هيكلة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وإحداث هيئة علمية للإفتاء، وتشكيل المجالس العلمية وتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات الدينيين وتفعيل دور المساجد في التأطير الديني ومحاربة الأمية، وتطوير منهاج التربية الإسلامية بتكوين سليم وعلمي وعصري منفتح ومتجدد وإحداث إعلام ديني عصري لتنوير الرأي العام.

خاتمة:

حقق المغرب نتائج مهمة في بناء الدولة المغربية الحديثة جعلت منه نموذجا يحتذى في العالم العربي.


تنفّع من موارد توجيهية و تعليمية مجّانية
follow us on instagram