Skip to content

مكون المؤلفات : مؤلف ظاهرة الشعر الحديث : قراءة تحليلية 2

تنفّع من موارد توجيهية و تعليمية مجّانية
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

الفصل الثالث: تجربــــــــة الحــــيــاة والمــــــــــــوت

 

يؤكد الناقد في هذا الفصل؛ على أن الشعر العربي الحديث لم يكن كله شعر يأس وغربة وضياع وقلق وسأم، حيث نجد: شعر الأمل والحياة واليقظة والتجدد والانبعاث، أو ما يسمى عند “ريتا عوض”  بقصيدة الموت والانبعاث،:

  • أسباب الأمل والتجدد في تجربة هؤلاء “التموزيين” الذين تغنوا بالموت والانبعاث: إنجازات واقعية سياسية مثل : ثورة مصر / تأميم القناة  / رد العدوان الثلاثي / استقلال أقطار العالم العربي / الوحدة بين مصر وسوريا …إلى غير ذلك من الأحداث الإيجابية التي دفعت الشعراء إلى التغني بالانبعاث واليقظة والتجدد الحضاري. ولم تستقل حقبة الأمل بفترة معينة، بل نراها تتداخل مع فترة إيقاع الغربة والضياع تعاقبا أو تقاطعا.

نماذج لأشعار فكرة التجدد عند الشعراء المهجريين: أقصوصة ” رماد الأجيال” /”النار الخالدة” عند جبران خايل جبران / قصيدة ” أوراق الخريف” لميخائيل نعيمة

 ملاحظات الناقد حول تجربة المهجر: تجربة  في واقع الأمر غير متماسكة، فهي تضع الإيمان بالتجدد والعبث فوق كل اعتبار / تميزت بالحيرة والتردد، وإيثار الحياة الحالمة / التجدد عند شعراء المهجر مقترن بالتناسخ، بينما التجدد عند الشعراء المحدثين مرتبط بالفداء المسيحي.

  • روافد الشاعر الحديث لإغناء تجربته: الأساطير والرموز الدالة على البعث والنهضة واليقظة والتجدد، وهي أساطيرتجسد صراع الخير والشر / استلهام مضامين الوثنية البابلية واليونانية والفينيقية والعربية / المعتقدات المسيحية / التراث العربي والإسلامي / الفكر الإنساني عامة.
  • أمثلة لتلك الأساطير: تموز / عشتار / أورفيوس / طائر الفينيق / صقر قريش / الخضر / نادر السود / مهيار / العنقاء / السندباد /عمر الخيام وحبيبته عائشة / الحلاج …
  • تأثيرات هذه الأساطير على قصيدة الشعر الحديث: إحداث منهج نقدي وأدبي وفلسفي سمى بالمنهج الأسطوري”
  • مفهوم المنهج الأسطوري: طريقة يقدم به الشاعر مشاعره وأفكاره، ومجمل تجربته في صور رمزية، يتم بواسطتها التواصل، لا عن طريق مخاطبة الفكر، كما تفعل الفلسفة والمنطق، بل عن طريق التغلغل إلى اللاشعور، حيث تكمن رواسب المعتقدات والأفكار المشتركة”.
  • أهم رواد هذه التجربة: روادها بدر شاكر السياب / خليل حاوي /أدونيس  /عبد الوهاب البياتي.
  • أدونيس :من أهم شعراء التجربة التموزية الذين تغنوا بالموت والانبعاث كما في ديوانيه” كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل”، وديوان” المسرح والمرايا”. ومن أهم خصائص شعره التي تحدد نظرته إلى أمته على المستوى الحضاري خاصة التحول عبر الحياة والموت، أي إن أدونيس يشخص في أشعاره جدلية الإنسان المتأرجحة بين الحياة والموت، كما في قصائده الشعرية ” الرأس والنهر”، و” تيمور ومهيار”، وقصيدة “السماء”، وقد اشتغل أدونيس في شعره كثيرا على أسطورة العنقاء وشخصية مهيار .(ص. 118←ص. 129)
  • خليل حاوي :  عبر في دواوينه الثلاثة ” نهر الرماد” و”الناي والريح ” و” بيادر الجوع” عن مبدإ آخر غير مبدإ التحول عند أدونيس هو مبدأ المعاناة، أي معاناة حقيقية للخراب والدمار، والجفاف والعقم. وقد شغّل في شعره أسطورة تموز وأسطورة العنقاء للدلالة على هذا الخراب الحضاري والتجدد مع العنقاء. .(ص. 129←ص.158)
  • بدر شاكر السياب:عبر عن معاني الموت والبعث، وعن طبيعة الفداء في الموت، إذ يعتقد بأن الخلاص لايكون إلا بالموت، إلا بمزيد من الأموات والضحايا كما في قصيدته ” النهر والموت”، وفي قصيدته ” قافلة الضياع “، و” رسالة من مقبرة”. وقد استخدم السياب رمزا أسطوريا للتعبير عن فكرة الخلاص وهو رمز المسيح كما في قصيدته” المسيح بعد الصلب”، وقصيدة ” مدينة السندباد” و”أنشودة المطر”…..(ص. 158←ص.168)
  • عبد الوهاب البياتي : شاعر جدلية الأمل واليأس المهيمنة على ديوانه” الذي يأتي ولايأتي”. وهناك ثلاث منحنيات في جدلية الأمل واليأس في أشعار عبد الوهاب البياتي:
  • المنحنى الأول، انتصار ساحق للحياة على الموت، في قصائد:” الذي يأتي ولايأتي”، ولاسيما ” كلمات لاتموت”، و” النار والكلمات” و”سفر الفقر والثورة”.
  • المنحنى الثاني تتكافأ الكفتان، ويمثله ديوان” الذي يأتي ولايأتي”.
  • المنحنى الأخير، فيتم فيه انتصار الموت على الحياة، ويمثله ديوان” الموت في الحياة”

جسد عبد الوهاب البياتي  حقيقة البعث من خلال الخطوط الأربعة الهامة لمضمون ديوانه” الذي يأتي ولايأتي” كخط الحياة وخط الموت، وخط السؤال، وخط الرجاء، وكل هذا يرد في جدلية منحنى الأمل ومنحنى الشك. .(ص. 168←ص. 189)

  • ملاحظات الناقد:أصبح الشاعر الحديث شاعرا يجمع بين هموم الذات وهموم الجماعة ، يروم كشف الواقع واستشراف المستقبل متنقلا من التفسير إلى التغيير. وبمعنى آخر،” لقد أصبح وعي الشاعر بالذات وبالزمن وبالكون مرتبطا بوعيه بالجماعة، ومتضمنا له. وما كان لشيء من ذلك أن يحدث لولا وعي الشاعر الحديث، وإدراكه للتحدي الذي يهدد حاضره ومستقبله، بالقدر الذي يهدد وجوده القومي. الأمر الذي جعل موقف الشاعر من الذات، ومن الكون، ومن الزمن ومن الجماعة، موقفا موحدا، تمليه رغبته في الحياة والتجدد والانتصار على كل التحديات، التي يرمز إليها برمز واحد، ذي طابع شمولي، هو رمز الموت الذي يعني موت الذات وموت الزمن( الماضي بكل أمجاده والحاضر بكل تطلعاته) ، والذي يعني تبعا لذلك محو الوجد القومي والإنساني للأمة العربية.” .(ص. 190)

إن الصراع بين الموت والحياة في تجربة الشاعر الحديث يعني في آخر الأمر الصراع بين الحرية والحب والتجدد الذي يجعل الثورة وسيلته، وبين الحقد والاستعباد والنفي من المكان ومن التاريخ.” .(ص. 190)

وعلى الرغم من مضامين الشعر الحديث الثورية، فإنه لم يتحول إلى طاقة تغييرية، بل نلاحظ انفصالا بين الشعر الحديث والجماهير العربية، والسبب في ذلك يعود حسب أحمد المعداوي إلى عامل ديني قومي، وعامل ثقافي، وعامل سياسي، ولكن أهم هذه العوامل حسب الكاتب تعود إلى العامل” المتعلق بتقنية هذا الشعر، أي بالوسائل الفنية المستحدثة التي توسل بها الشعراء، للتعبير عن التجارب التي سبقت الحديث عنها. فلا شك في أن حداثة هذه الوسائل حالت بين الجماهير، وبين تمثل المضامين الثورية لهذا الشعر.” .(ص190←ص.193)

 

الفصل الرابـــع: الشكـــــــل الجديــــــــد

تطرق الناقد في هذا الفصل إلى جانب الشكل في قصيدة الشعر الحديث، مشيرا إلى ما يلي:

  • توظيف الشاعر الحديث شكلا جديدا يتجلى في استخدام الرموز والأساطير والصور البيانية الانزياحية،
  • اختلاف اللغة من شاعر إلى آخر: (ص201 )
  • الشعراء العراقيون الذين يمثلهم بدر شاكر السياب يستعملون لغة جزلة وعبارة فخمة وسبكا متينا على غرار الشعر القديم الذي يتميز بالنفس التقليدي كما يظهر ذلك جليا في دواوين السياب القديمة والمتأخرة وخاصة قصيدته “مدينة بلا مطر”، وقصيدة” منزل الأقنان”
  • هناك من اختار لغة الحديث اليومي مثل: أمل دنقل في ديوانه” البكاء بين يدي زرقاء اليمامة”
  • هناك من يخلخل اللغة الشعرية النفعية المباشرة ويستعمل لغة انزياحية موحية تنتهك معايير الوضوح والعقل. مثل: الشاعر أدونيس والبياتي ومحمد عفيفي مطر وصلاح عبد الصبور.
  • هناك من يشغل اللغة الدرامية المتوترة النابعة من الصوت الداخلي، وهذا الصوت” منبثق من أعماق الذات، ومتجها إليها، خلافا لما هو الأمر عليه لدى الشاعر القديم، الذي امتاز سياقه اللغوي بصدوره عن صوت داخلي يتجه إلى الخارج، وهو في اتجاهه إلى الخارج يأخذ شكل خطاب أو التماس أو دعوة إلى المشاركة والتعاطف، الأمر الذي يمنعه من أن يقيم جدارا بينه وبين العالم الخارجي أثناء المعاناة والتوتر، فهناك دائما شخص آخر يقاسم الشاعر آلامه” ، كما نجد ذلك لدى الشاعر محمد مفتاح الفيتوري في قصيدته ” معزوفة لدرويش متجول”.
  • الصورة الشعرية (ص220): تجاوز الشاعر الصور البيانية المرتبطة بالذاكرة التراثية عند الشعراء الإحيائيين، والصور المرتبطة بالتجارب الذاتية عند الرومانسيين، إلى صور تقوم على توسيع مدلول الكلمات من خلال تحريك الخيال والتخييل وتشغيل الانزياح والرموز والأساطير وتوظيف الصورة الرؤيا وتجاوز اللغة التقريرية المباشرة إلى لغة الإيحاء. ولا ريب أن ولع” الشاعر الحديث بالضرب في بحور المعرفة السبعة ، قد أتاح له أن يجتني المزيد من الصور والرموز، التي تعتبر من أهم الوسائل التي يلجأ إليها الشاعر الحديث للتعبير عن تجاربه الجديدة، ولا ريب في أن الشاعر حين فعل ذلك، وحين وسع مدلول صوره البيانية، أو حدده بربطه بمدلولات سائر الصور في القصيدة الواحدة، أو حين فتح مدلول الصورة الواحدة على آفاق تجربته المختلفة، قد ابتعد كثيرا عن مفهوم الصور البيانية في البلاغة القديمة، وأن هذا البعد قد ساهم مساهمة فعالة في إبعاد تجاربه الشعرية عن ذوق عامة الناس،كما منحهم نوعا من التبرير لوصف شعره بالغموض. “.

ولكن أهم خاصة شكلية يتسم به الشعر الحديث هو تطور الأسس الموسيقية،(ص228) وإن كان بعض الشعراء المحدثين مازالوا يستعملون الطريقة التقليدية في كتابة قصائدهم كما هو حال البياتي في هذا المقطع المأخوذ من ديوانه” الذي يأتي ولا يأتي”:

عديدة أسلاب هذا الليل في المغاره

جماجم الموتى، كتاب أصفر، قيثاره

نقش على الحائط، طير ميت، عباره

مكتوبة بالدم فوق هذه الحجاره. (ص229)

  • نسف عروض الشعر: هناك من حطم عروض الشعر للانتقال إلى عروض القصيدة والاعتماد على التفعيلة وتنويعها والتصرف في عددها حسب انفعالات التجربة الشعرية وتوقفها. أي إن التجربة الشعرية الذاتية الداخلية هي التي تستلزم الإيقاع الشعري والوقفة العروضية والنظمية والدلالية عند الشاعر المعاصر.
  • تنويع البحور الشعرية داخل قصيدة واحدة، واستخدام البحور الصافية منها ، وتنويع القوافي والتحرر من القافية الموحدة التي تمتاز بالرتابة والتكرار الممل، ناهيك عن تفتيت وحدة البيت المستقل وتعويضه بالأسطر والجمل الشعرية التي تخضع للنسق الشعوري والفكري.
  • الاعتماد على ستة بحور شعرية كالهزج( مفاعيلن)، والرمل( فاعلاتن)، والمتقارب( فعولن)، والمتدارك ( فاعلن)، والرجز( مستفعلن)، والكامل(متفاعلن)، ولقد أصبح ” في وسع الشاعر أن يستخلص من البحر الواحد عددا هائلا من الأبنية الموسيقية، التي ربما أغنته عن التفكير في الانصراف من البحر ذي التفعيلة الواحدة إلى غيره. ولقد فطن الشاعر الحديث إلى هذه الخاصة منذ السنوات الأولى لاكتشاف الشكل الجديد، فقد لاحظ الدكتور إحسان عباس في كتابه” عبد الوهاب البياتي والشعر العراقي الحديث” الصادر سنة 1955م، أن” في ديوان ” أباريق مهشمة” إحدى وأربعين قصيدة، منها ثمان وعشرون تستمد نغماتها من البحر الكامل، ومنها ست على بحر الرمل” .
  • الخلط بين البحور داخل قصيدة واحدة كما عند السياب في قصيدتين من قصائد ديوان” شناشيل ابنة الجلبي”، وأدونيس في قصيدته” مرآة لخالدة” من ديوان” المسرح والمرايا”.

ومن ” النصفة تقتضي منا – يقول أحمد المعداوي- أن نشير إلى أن الطاقات الموسيقية للبحور المختلطة، بالرغم من أهميتها، لم تستغل على النحو الذي رأيناه عند أدونيس إلا نادرا”.

  • التنويع في الزحافات (ص244)، وتنويع الأضرب،(ص.246) واستعمال صيغة فاعل في بحر الخبب ،(ص249) ، والاتكاء على التدوير والتضمين،(ص.251) ، وتنويع القوافي ،(ص.256) حسب النسق الشعوري والفكري مع استخدامها بشكل متراوح أو متعانق أو متراكب أو موحد أو متقاطع أو متراوح.

يرى أحمد المعداوي في آخر الكتاب أن الحداثة من العوامل التي كانت وراء وصف الشعر العربي الحديث بالغموض،(ص.263)  إلى جانب ما تتطلبه القصيدة الحديثة من إعمال للجهد واستلزام لذوق قرائي جديد، ثم انفصال هذا الشعر عن الجماهير مادام لا ينزل معها إلى ساحة المقاتلة والنضال والصراع ضد قوى الاستغلال والبطش ولا يشاركها في معاركها الحضارية.


  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
تنفّع من موارد توجيهية و تعليمية مجّانية