Skip to content

نص نقدي 1: محمد مفتاح: بنية التوتر

تنفّع من موارد توجيهية و تعليمية مجّانية
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

النص مقالة فكرية نقدية تدخل في اطار المنهج البنيوي، والذي يدرس الأدب واللغة من الزاوية البنيوية

ويعود النص للناقد محمد مفتاح وهو مقتطف من كتابه “تحليل الخطاب الشعري”

ماهي القايا البنيوية التي سيناقشها؟ وكيف عرض أفكاره؟

للاجابة عن هذه التساؤلات نبدأ من العنوان، الذي ركب تركيبا اسميا يدل على هيكل وتصميم وشكل الشيء من خلال مصطلح البنية المضافة الى التوتر الدال على التأزم

نفترض أن الناقد سيحدد بنية نص ما، وهذا ما تؤكده البداية حيث تضمنت الشروع في دراسة بنية بيت شعري. وبالعودة الى النص فقد بسط الناقد مادة الاشتغال وهي عبارة عن بيت للشاعر “ابن عبدون” يتعجب فيه من كثرة البكاء رغم أن الزمان لا يتوقف عن افجاعنا. ولقد ركز الناقد على دراسة بنية هذا البيت للتوصل إلى أن حروفه تشاكلت مع مضمونه، ويستدل على ذلك بالحروف الحلقية (ح،أ،ع،ه) التي ترتبط بالحزن والزجر وهما المعنيان اللذان تضمنهما البيت الشعري.

إلى جانب ذلك يشير إلى الوظيفة الهندسية لتلك الحروف، ومن جهة أخرى يفسر حركة الكسرة – وفق الدراسات النفسية اللغوية – بانعدام اللطف والجدية والعزم في معنى البيت الشعري المدروس.

كما أن هناك سرعة في الصدر دلالة على قوة بطش الدهرفي حين كان العجز بطيئا دلالة على استمرارية هذا البطش. لينتقل بعد ذلك إلى المستوى المعجمي ليشير الى حضور مبدأ التداعي حيث العين دعت الأثر والأشباح استدعت الصور ليصل إلى دراسة المستوى التركيبي مبينا مخالفة النص لقواعد اللغة العربية إذ كانت رتبة الفاعل قبل الفعل (الدهر يفجع) باعتبار الدهر هو موضوع البيت الشعري من الدرجة الأولى بينما كان الشطر الثاني انشاء طلبيا خرج عن معناه الطبيعي ليفيد الزجر بالنهي ، وهذا ما يدل على وجود توتر وصراع بين الشاعر والمتلقي من جهة وبين الانسان والدهر من جهة أخرى، أضف إلى ذلك أن فعل أفجع جاء من غير مفعول به دلالة على الأطلاق، اطلاق فعل التفجيع الذي يقوم به الدهر دون استثناء أحد.

وهكذا يتضح أن الناقد درس البيت الشعري من الجانب البنيوي، حيث بدأ من الجانب الصوتي مرورا بالجانب الدلالي والمعجمي وصولا ألى المستوى التركيبي ، وبالتالي فقد تطرق الناقد الى دراسة نقديةلبيت شعري وبالضبط لبنيته وتفرعت هذه الدراسة غلى قضايا فرعية : دراسة المستوى الصوتي وعلاقته بالمستوى الدلالي .

للاشتغال على هذه الدراسة اعتمد الناقد على حقول دلالية:

* حقل دال على البنية : المعجم، علاقة الصوت بالمعنى، مستوى التركيب..

* حقل دال على المضمون: الحزن والزجر، أفعال الدهر، الايحاءات…)

وهما حقلان دخلا في علاقة ترابط بينهما وانسجام دلالة على أن البنية الشكلية لهذا البيت الشعري قد تناغمت مع مضمونه.

لتعزيز طرحه، اعتمد محمد مفتاح بنية حجاجية تمثلت في مجموعة من الأساليب والحجج إلى جانب طريقة مدروسة لعرض أفكاره.

من حيث الأساليب: نجده يقوم بالمقارنة بين ينية البيت الشعري ومضمونه للتوصل إلى تشاكلهما، كما أنه قارن داخليا بين الصدر والعجز إلى جانب الشرح والتفسير، إذ شرح دلالة الحروف الحلقية (أ، ه، ع، ح)مع التفصيل في ذلك وغيره من الأفكار الجزئية كتفسير قلة الحركة الكسرية في البيت الشعري، كما ناقش مجموعة من القضايا الجزئية كمناقشته لمخالفة المستوى التركيبي لقواعد اللغة العربية المتعارف عليها. كما اعتمد أسلوب التعريف كتعريفه للشعر بكونه عبارة عن تشاكا وتباين. وأثناء حجاجه هذا كان يدعم طرحه بمجموعة من الحجج والأدلة كاستدلاله على معاني الحروف الحلقية بالاستشهاد من المصادر المعجمية دون أن يذكر هذه المصادر بالاسم، إلى جانب ذكره لقواعد اللغة العربية المعروفة. كما نجده، وأثناء توظيفه للشرح المنطقي العقلي، يستحضر حججا علمية من مجالات أخرى (الدراسات النفسية اللغوية).

تميزت طريقة العرض فقد بدأ من العام الى الخاص وهو منهج استقرائي، حيث بدأ من المتوى الصوتي وفي الأخير الى المستوى التركيبي ليخلص إلى خلاصة نهائية وهذا ساهم في حصول انسجام بين النص وبنيته. إلى جانب كل هذا، لا بد من الاشارة إلى طريقة الناقد مع المتلقي حيث كان يحسن التواصل معه من خلال اشراكه في هذه الدراسة (لنبدأ، سنشرح…) الشيء الذي ساهم في تقوية الجانب الحجاجي والذي ازداد قوة بأدوات التوكيد (إن تكرار – إن الرتبة الطبيعية – ومهما يكن فإن…).


  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
تنفّع من موارد توجيهية و تعليمية مجّانية