Skip to content

الحق بين الطبيعي و الوضعي

تنفّع من موارد توجيهية و تعليمية مجّانية

تمهيد للمحور:

لقد جسد الحق كل القيم المثلى عبر التاريخ الإنساني، فعبر عن الوجود الحق والمعرفة الحقة، وعن الإنسان الحق، خاصة مع فلسفة الأنوار؛ وأصبح مبدأ يعكس تحضر الإنسان. إلا أن الأسس التي يقوم عليها، والتي قد تفسر قيمته، كانت ولا تزال موضع اختلاف واجتهاد تتحكم فيه المرجعية الثقافية والأوضاع الاجتماعية. وبما أن الإنسان يتحدد من حيث ماهيته، باعتباره عضوية تبلور حضور الطبيعة فيه، وباعتباره ذاتا مفكرة تبلور حضور الثقافة فيه؛ فإن الكلام عن الحق لا يمكن أن يستقيم إلا انطلاقا من ارتباطه إما بالمكون الطبيعي، وإما بالمكون الثقافي في الإنسان. وإذا كانت الطبيعة، من حيث هي مكون لماهية الإنسان، تتحدد كعضوية يشترك فيها مع سائر الحيوانات، أي أنها ما يوجد فيه بحكم الإرث البيولوجي المتجلي في مجموعة من الدوافع والغرائز والحاجات الأولية؛ فإن مكانة الكائن الإنساني في الطبيعة، وبالتالي حقوقه، تتحدد تبعا لما يتوفر عليه من قوة، وتتغير بتغيرها. وهنا يعبر الحق عن الحرية المطلقة، ولذلك يقترن بالظلم والشر وهو ما يسمى بـ”حق القوة“؛ لأن الفرد يفعل كل ما يريد دون مراعاة الآخرين، وبدون عدل أو رحمة، وهذا يعزى لقانون الغاب القائم على الظلم والعدوانية والقوة. وهذا التصور هو ما عبر عنه السفسطائيون، ومنذ القرن الخامس قبل الميلاد، حيث سعوا إلى إثبات نسبية القيم كلها بما فيها قيمة الحق، والتشكيك فيها شكا مطلقا، انطلاقا من مبدئهم القائل “الإنسان مقياس كل شيء”. يقول غلوكون “إننا لا نمارس العدالة إلا رغما عنا لعجزنا عن ارتكاب الظلم”. وهذا يعني أن الإنسان يرتكب الظلم ويعتدي حيث تتوفر لديه القدرة على ذلك، أما القوانين والقيم الأخلاقية من عطف ورحمة فهي من وضع الضعفاء للدفاع عن أنفسهم وحمايتها من بطش الأقوياء. من هذا المنطلق يمكن التساؤل: ما هو الأساس الذي يتأسس عليه الحق؟ هل يتأسس فعلا على ما هو طبيعي، أم أن هذا الأساس لا يمكن أن يكون إلا وضعيا.

الأطروحة 1  لـ: طوماس هوبس  النص رقم1ص153

ينطلق هوبس من فكرة حالة الطبيعة، أي الحالة التي كان عليها  الإنسان يوم كان يعيش بدون دولة، وبدون نظام اجتماعي، يعيش على أساس حق الأقوى، والأقوياء يفرضون إرادتهم على الضعفاء. وجوهر هذه الحالة، حسب هوبس، هي أن “الإنسان ذئب للإنسان”. إن حالة الطبيعة هذه التي يعيش فيها الإنسان في حرية مطلقة هي حالة حرب دائمة بين الإنسان وأخيه الإنسان، إنها حالة “حرب الجميع ضد الجميع”، حيث ساد فيها قانون الغاب والصراعات والعنف والظلم، فاعتبرت كل الوسائل مشروعة لتحقيق الغايات، فالقوة تؤسس القانون وبالتالي  العدالة، وهذا ما يسمى بـ”حق القوة”. فالحق الطبيعي، بهذا المعنى، وبتعريف هوبس هو: “الحرية التي لكل واحد في أن يستخدم قوته الخاصة ليحافظ على طبيعته، أي ليحفظ حياته. إنه الحق في استخدام القوة التي تكون للفرد ليفعل كل ما يعتبره حكمه وعقله أحسن وسيلة لتحقيق غاية الحفاظ على ذاته”. لكن النتيجة التي يفضي إليها الحق الطبيعي هي أنه “لا يمكن لأي كان مهما بلغت حكمته أو قوته، أن يضمن لنفسه البقاء حيا حتى النهاية الطبيعية لحياة الإنسان”. وبما أن القانون الطبيعي يتحدد كمبدأ عقلي يمنع بمقتضاه كل واحد من فعل كل ما من شأنه أن يقضي على حياته أو يحرمه من وسيلة المحافظة عليها، حيث يلزم الإنسان بالقيام بالفعل أو الامتناع عنه، وبالتالي يفرض عليه البحث عن السلم حفاظا على بقائه؛ فإنه يترتب عن هذا القانون تأسيس قانون ثان يتخلى بموجبه الأفراد عن حق التصرف في كل شيء بما يسمح بالسلم والحفاظ على الذات، وهذا ما اصطلح على تسميته بالميثاق أو التعاقد.

إن الحق الطبيعي المفضي إلى حالة “حرب الكل ضد الكل” يشكل، في منظور هوبس، منطلقا للتعاقد بالتنازل عن الحرية المطلقة، ضمانا للتعايش وحفاظا على السلم، وبالتالي تجاوز حالة الطبيعة؛ وبذلك انتقال الحق من أساسه الطبيعي إلى أساسه الوضعي.

الأطروحة 2  لـ: جون جاك روسو  النص رقم 2 ص170

يرفض روسو أطروحة الحق لطبيعي القائم على القوة، فالحق، في نظره، يقوم على قوة المشروعية لا على القوة الطبيعية المرتبطة بالمقومات الجسدية للفرد. فالحديث عن الحق لا يمكن ربطه بالطبيعة، وإنما بالغايات منه كالتعايش والسلم والقانون والعدالة. ويضيف روسو أن  الحق الذي يقوم على القوة يزول بزوالها ويظل نسبيا. وفي مقابل ذلك يؤكد أن الإنسان يتحدد بماهيته الثابتة المتجلية في العقل، فهو كائن عاقل، ثقافي، اجتماعي وسياسي… وهذه الخصائص تكاملت لتسهم في ظهور أخلاقية تجلت في تحول الإنسان من حيوان غبي إلى كائن ذكي، وإلى إنسان شيد عالم الثقافة والتمدن، وحكم العقل والحق والعدالة عوض الشهوة والغريزة، وأصبح يخضع لمبدأ الواجب عوض الاندفاعات، ويصغي لعقله عوض أن ينساق لميولاته، ويتصرف وفقا لمبادئ وقيم أخلاقية عوض أن يراعي ذاته فقط. ومكاسب حالة التمدن هذه ما كانت لتتحقق لولا إقامة المجتمع على أساس”تعاقد اجتماعي” في إطار سلطة ديمقراطية تعكس إرادة الجميع.

إن الحق، حسب تصور روسو، لا يتأسس على الطبيعة، ولا يعني شيئا عندما يتعلق الأمر بالقوة؛ وذلك لأن الحق لا يتخذ معنى إلا إذا ارتبط بالقانون والمشروعية والامتثال للواجب ولما هو وضعي متعاقد عليه.

استنتاج حول المحور الأول:

يتبين في نهاية هذا المحور تناقض فكرة الحق الطبيعي، ذلك أن النتائج المترتبة عن تأسيس الحق على الحرية المطلقة للإنسان وشهواته ومقوماته الجسدية، تكشف أن الحق لا يمكن الحديث عنه وإقراره إلا داخل الدولة، باعتبارها تنظيما سياسيا واجتماعيا يستمد سيادته وقدرته من تفويض عقلي للحقوق الطبيعية الفردية. وبانتقال الحق، عبر العقد الاجتماعي، من الأفراد إلى المجتمع، انتقل أيضا من أساسه الطبيعي إلى أساسه الوضعي؛ وهو ما أتاح للإنسان العيش في مؤسسات طورت قدراته وإمكاناته.

Shares 0
تنفّع من موارد توجيهية و تعليمية مجّانية
0 Shares
Share
Tweet