Skip to content

العدالة بين الإنصاف و المساواة

تنفّع من موارد توجيهية و تعليمية مجّانية

تمهيد للمحور:

العدالة، بوجه عام، هي احترام حقوق الغير و الدفاع عنها، أو الإخلاص إلى واجباتنا نحو الغير. وهذا المدلول للعدالة يتضمن وجود الإنصاف والنزاهة والمساواة والمصلحة العامة في ممارسة العدالة. وأبرز أشكال العدالة: العدالة الأخلاقية التي تعني تطبيق القواعد الأخلاقية بإيعاز من الضمير، و العدالة القانونية التي تتطلب طاعة القانون بإنصاف، و العدالة الاجتماعية التي يقصد منها تحقيق مجتمع عادل. والعدالة وثيقة الصلة بالمساواة، إذ أن فكرة المساواة ارتبطت دوما بفكرة الحق، ووجدت لها أصولا فلسفية لدى كل من أفلاطون وأرسطو، حسب ما كان عليه المجتمع اليوناني القديم، كما وجدت لها توكيدات في التشريعات الحديثة. وترتبط العدالة كذلك بالإنصاف، بوصفه الحكم العادل الصادر عن احترام روح القوانين، وليس عن التطبيق الحرفي لها. فالعدالة باعتبارها إنصافا تدل على إعطاء كل فرد ما يستحقه، وفق مبدأ تكافؤ الفرص. فهل العدالة إذن مساواة أم إنصاف؟ وفيم يتجسد هدفها: هل في تحقيق المساواة، أم في تحقيق الإنصاف؟

الأطروحة 1   لـ: أرسطو  النص 5 ص167

إذا كانت العدالة قائمة على مبدأين هما: مبدأ المساواة، ومعناه أن الجميع يخضع للقانون، ومبدأ الإنصاف، وهو أن يمنح لكل فرد ما يستحقه بغض النظر عن منطوق القانون؛ فإن أرسطو يؤكد أن العدالة والإنصاف متطابقين، ورغم ذلك فإن الإنصاف أفضل، لأنه يعتبر الشرط الأساسي لتصحيح ما يلحق العدالة،عند تطبيقها، من أخطاء ناجمة عن عمومية قوانينها. و معنى هذا القول هو أنه إذا كانت العدالة هي ما يطابق القانون، وكان القانون يتميز بعموميته وإلمامه فقط بالحالات المألوفة والعادية، ولا يتضمن تدقيقا لكل الحالات النوعية والخاصة، فإن الإنصاف لا يعني العدالة طبقا للقانون فقط، بل بالأحرى يعني العدالة انطلاقا من تكييف ما هو قانوني مع الحالات النوعية والخاصة، وتصحيحه وتجاوز أخطائه الناجمة عن عموميته. ولذلك فإن “المنصف هو العادل، بل هو أعلى من العادل بشكل عام؛ لكن، ليس مقارنة مع العادل في حد ذاته، بل مقارنة مع عمومية العدالة التي، بسبب عموميتها تحتوي على الخطأ”.

إن العدالة، في منظور أرسطو، ليست مساواة فقط، بل هي أيضا إنصاف، فإذا كانت قوانين العدالة تتميز بعموميتها، فإن الإنصاف وحده يكيفها ويجعلها تستقيم مع الحالات النوعية والخاصة.

الأطروحة 2  لـ: جون راولس   النص رقم 6 ص 168

حاول الفيلسوف الأمريكي المعاصر جون راولس (1921-2002) في كتابه “نظرية العدالة”، تطوير التقليد الأرسطي بخصوص العدالة، مؤكدا أن هذه الأخيرة تقوم على قاعدة الإنصاف، وهي قاعدة تقتضي، من جهة، حق كل شخص في الاستفادة بالتساوي من الحقوق الأساسية، ومن جهة ثانية، اعتبار اللامساواة الاجتماعية مقبولة عقليا، إذا ما سمح لجميع الأفراد ببلوغ مراتب ووظائف عليا في المجتمع، وفقا لمبدأ تكافؤ الفرص. ومعنى هذا أن الإنصاف أساسي لتحقيق العدالة، ذلك أن العدالة تقوم على قاعدة الإنصاف، وهي قاعدة تقتضي أولا حق استفادة كل الأفراد من نفس الحقوق الأساسية على قدم المساواة، كما تقتضي ثانيا عدم وضع عوائق أمام أولئك الذين سمحت لهم مواهبهم وظروفهم الاجتماعية ببلوغ أعلى المراتب الاقتصادية والاجتماعية (الثروة والسلطة)؛ على أن يفسح المجال أيضا للذين هم أقل منهم، في إطار تعاون جماعي إرادي، لبلوغ نفس المراتب واقتسام الثروات.

إن العدالة، حسب منظور راولس، قائمة على قاعدة الإنصاف، فهي تقوم على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات، وعلى مبدأ الإنصاف في الثروة والسلطة.

استنتاج حول المحور الثالث:

يتضح في نهاية هذا المحور أن العدالة ليست مساواة فقط، بل هي كذلك إنصاف، فهي لا تعني التطبيق الحرفي للقوانين بشكل يضمن تساوي الأفراد في الحقوق والواجبات الأساسية فقط، بل تعني أيضا الأخذ بروح القانون وتكييفه مع الحالات الخاصة، ومن ثمة فسح المجال لذوي المواهب لنيل ما يستحقونه اقتصاديا واجتماعيا.

 

Shares 0
تنفّع من موارد توجيهية و تعليمية مجّانية
0 Shares
Share
Tweet