Skip to content

الواجب والإكراه

تنفّع من موارد توجيهية و تعليمية مجّانية

تمهيد للمحور:

إن الإنسان، نظرا لتميزه بالعقل، في غير حاجة إلى الفلسفة والعلم ليتعلم منهما ما يجب عليه القيام به. ففي تجربة الصراع بين الضمير والأهواء ينبثق المبدأ العقلي للواجب الذي يفرض أوامره على الشخص بشكل إكراهي، فيلزمه بفعل فعل حتى لو تعارض مع ميولاته. لكن الواجب يحيل أيضا على الالتزام واحترام القانون الأخلاقي، ويشترط الحرية في القيام به، كما يحيل أيضا على الميل الطبيعي إلى الفعل الأخلاقي بدون إكراه أو إلزام. ومن هذا التقابل يمكن التساؤل: هل يتأسس الواجب على الإكراه والإلزام الذي يمثله القانون الأخلاقي، أم على القدرة والميل الطبيعي والالتزام؟

الأطروحة 1  لـ: إمانويل كانط  النص رقم 1 ص 185

يعرف كانط الواجب بقوله: “إنه ضرورة أداء الفعل احتراما للقانون”. ومعنى هذا أن الواجب لا يستند إلى الميل أو العاطفة، كما أنه لا يقوم على التجربة، خارجية كانت أم باطنية، بل هو يقوم أولا وبالذات على احترام القانون الأخلاقي، وهذا الاحترام ينشأ في الإنسان تلقائيا بفعل العقل نفسه. وما دام الفعل الصادر عن الواجب لا يقع تحت تأثير أي ميل باطني، ولا يصدر عن أي موضوع خارجي، فإن احترام القانون الأخلاقي هو الدافع الأخلاقي الوحيد. وبالتالي، فإن ما يحدد الإرادة ليس هو ما يمكن أن يترتب عن الفعل من نتائج، بل هو احترام القانون بشكل خالص. وبهذا، فإن الواجب، بوصفه خضوعا للقانون وإقصاء للميولات، يتضمن نوعا من القهر والإكراه والإلزام الذي لا يمكن تجنبه. ومنطلق الواجب، في نظر كانط، هو الإرادة الخيرة: فقد يعتبر البعض الشجاعة والإقدام ورباطة الجأش مثلا خيرا؛ لكن، ماذا لو اجتمعت هذه الفضائل في مجرم ما؟! فلا قيمة للفضائل بدون إرادة خيرة، والذي يضفي عليها طابع الخير هو ذاك الإكراه الذي يتسم به فعلها حين يأتي مطابقا للقانون الأخلاقي الذي يشرعه العقل، ليتجسد على شكل أوامر مطلقة تحدد ما يجب فعله بغض النظر عن الغايات والنتائج المترتبة عن الفعل. ويتسم الواجب الأخلاقي، من منظور كانط، بكونه صوريا محضا لا صلة له بتغيرات التجربة، ومنزها عن كل غرض منفعي، وقطعيا يشكل قاعدة لامشروطة للفعل. وبناء على هذا التصور، يمكن القول بأن الواجب الأخلاقي الكانطي هو في جوهره التزام عقلي حر.

إن الواجب، حسب المنظور الكانطي، هو فعل إلزامي وإكراهي، يقوم به الشخص احتراما للقانون الأخلاقي الذي يشرعه العقل، ومنطلق هذا الفعل هو الإرادة الخيرة والحرة التي لا تخضع لمبدأ خارجي أو لميولات ذاتية ومصالح فردية؛ لذلك فالواجب هو في حقيقته التزام عقلي حر.

الأطروحة 2  لـ: جون ماري غويو  النص رقم2ص186

ينتقد الفيلسوف الفرنسي جون ماري غويو (1854- 1888) التصورات التي تؤسس مفهوم الواجب بنوع من الصورية والصرامة، صرامة تقصي الأهواء وتنفي خصوبة الحياة، كما ينتقد التصورات التي تؤسس هذا المفهوم تأسيسا ميتافيزيقيا غيبيا؛ ليربطه بالحياة وقوانينها. فما طبيعة الواجب الأخلاقي حسب هذا الفيلسوف؟

يؤكد غويو أن “القدرة على العمل هي واجب العمل”. ومعنى هذا أن الواجب هو قدرة طبيعية يملكها كل فرد، وتجعله يميل إلى الفعل الأخلاقي بدون إلزام أو إكراه. إن الواجب، في نظر هذا الفيلسوف، هو فيض من الحياة يريد أن ينصرف ويتحقق، وقوة متجمعة تحدث نوعا من الضغط. والعلاقة بين  الواجب والقدرة علاقة تناسب: بحيث أنه كلما كانت قدرة الإنسان أعظم، كلما كانت واجباته أعظم. وهذا يترتب عنه أن الواجب قدرة تلقائية لدى الكائن الإنساني، تندفع نحو التحقق بدون إكراه أو إلزام، فالذي يدفعه إلى القيام بواجباته هو شعور طبيعي عفوي وليس إلزاما خارجيا أو التزاما عقليا.

إن الواجب، حسب منظور غويو، ليس فعلا إلزاميا وإكراهيا، لأن أساسه يوجد في الحياة وقوانينها، إنه شعور وميل وقدرة طبيعية يملكها الفرد ويتجه بها نحو التحقق بشكل طبيعي.

استنتاج حول المحور الأول:

نستنتج في نهاية هذا المحور إن التفكير في مفهوم الواجب الأخلاقي يسمح بتعرف الإنسان بوصفه فاعلا حاملا لقيم أخلاقية يسعى لتجسيدها في علاقته بذاته وبغيره. غير أن طبيعة هذا الواجب ظلت موضع اختلاف: فأحيانا يظهر الواجب بوصفه إكراها وإلزاما مرتبطا بالقهر الذي يمارسه القانون على الفاعل الأخلاقي، وأحيانا أخرى يبدو الواجب قدرة وميلا طبيعيا وتلقائيا نحو الفعل لا يمليه أي إلزام أو إكراه.

Shares 0
تنفّع من موارد توجيهية و تعليمية مجّانية
0 Shares
Share
Tweet