Skip to content

الواجب والمجتمع

تنفّع من موارد توجيهية و تعليمية مجّانية
  • 1
  •  
  •  
  •  
  •  
    1
    Share

تمهيد للمحور:

إذا كان الواجب يتضمن نوعا من الإكراه والإلزام، فإن هذا الإكراه والإلزام قد لا يكون باطنيا وفرديا، بحيث يرتبط فقط بالقهر الذي يمارسه القانون الأخلاقي على الفاعل الأخلاقي؛ بل قد يكون كذلك خارجيا واجتماعيا، بحيث يرتبط بالقهر الذي يمارسه المجتمع بمختلف مكوناته (المؤسسات، العادات والتقاليد…) على الأفراد المكونين له. وهذا يعني أن الواجب، بوصفه إكراها اجتماعيا، قد يشكل تجاوزا لإرادة الأفراد، وفي نفس الوقت يوجه سلوكاتهم ويؤطر وجودهم. من هنا، تطرح إشكالية علاقة الواجب بالمجتمع، وهي الإشكالية التي يمكن التعبير عنها استفهاميا من خلال التساؤلات التالية: هل الأخلاق التي يحكمها مبدأ الواجب تقتصر على ضمير الفرد أم يؤطرها ضمير المجتمع؟ وكيف يحدد المجتمع واجبات الإنسان ويرسخها في وعيه الفردي؟ ألا يفرض الواجب على الإنسان تجاوز ما هو اجتماعي نحو ما هو كوني؟

الأطروحة 1   لـ: إميل دوركايم النص رقم6 ص189

يقول إميل دوركايم في كتابه “التربية الأخلاقية”: “إن ضميرنا الأخلاقي لم ينتج إلا عن المجتمع، ولا يعبر إلا عنه، وإذا تكلم ضميرنا، فإنما يردد صوت المجتمع فينا”. معنى هذا القول أن الواجب، حسب دوركايم، يشكل المجتمع المصدر الوحيد له؛ ذلك لأن سلطة المجتمع ترسخ في وعي الأفراد ما يلزم القيام به من واجبات. فالإنسان، بهذا المعنى، فردا في جماعة يتأثر بها ويؤثر فيها، ويأخذ عنها قيمها وتصوراتها الأخلاقية؛ وذلك عبر التربية والتنشئة الاجتماعية، التي تتولاها مختلف المؤسسات الاجتماعية ( الأسرة، المدرسة، وسائل الإعلام، الأحزاب…). وبهذا يكون الوعي الأخلاقي للفرد مجرد صدى للوعي الجماعي. وهذا يعني، من جهة أولى، أن المجتمع هو الذي يحدد الواجبات ويرسخها ويعمل بقوة على حفظها، ويعني من جهة ثانية، أن هامش حرية الفرد يتقلص أمام سلطة المجتمع، باعتبارها السلطة الوحيدة المحددة لكل الواجبات.

إن الواجب الأخلاقي، حسب تصور دوركايم، مصدره الوحيد هو المجتمع، الذي، عبر سلطته على الأفراد، يرسخ، في الوعي الفردي، ما يجب القيام به من واجبات.

الأطروحة 2    لـ: هنري برغسون  النص رقم7ص190

يؤكد برغسون أن المجتمع هو الذي يرسم للفرد مناهج حياته اليومية، فهو وإن كان يتألف من إرادات إنسانية حرة، إلا أن هذا لا يعني أن هذه الإرادات هي التي تحدد الواجبات أو طبيعة السلطة التي يجب أن تمارس على الآخرين، لأن الإرادات الإنسانية تخضع هي ذاتها لضغط خارجي مصدره المجتمع. فالمجتمع، باعتباره قوة إلزامية، قد يجعل من بعض قواعد السلوك قواعد ذات طابع قسري إكراهي. لكن الاعتراف بسلطة المجتمع وقدرته على تحديد الواجبات وتوجيه السلوك الأخلاقي لا ينفي، حسب برغسون، ضرورة الاعتراف بقيمة الانفتاح على الواجبات ذات البعد الإنساني. فالاكتفاء  بواجبات المجتمع قد يؤدي إلى خلق ممارسات منغلقة تولد الصراع بين المجتمعات. في حين أن التركيز على القيم الإنسانية من شأنه أن يوطد العلاقات السلمية بين المجتمعات.

إن الواجبات الأخلاقية، حسب منظور برغسون، لا يمكن إنكار أهمية المجتمع ودوره في تحديدها، غير أنه بالمقابل لابد من الانفتاح على الواجبات الكونية التي تتجاوز انغلاق المجتمع لتتجه نحو واجبات إنسانية.

استنتاج حول المحور الثالث:

يتضح في نهاية هذا المحور أن المجتمع ومؤسساته يساهم بشكل لا جدال فيه في ترسيخ مجموعة من الواجبات في الوعي الأخلاقي للأفراد. إلا أن نسبية القيم المجتمعية تفرض ضرورة تجاوز محدوديتها وانغلاقها، وجعل المجتمع يفسح المجال أمام أفراده للانخراط في قيم كونية إنسانية، تعزز السلم والتعايش بين المجتمعات.    


  • 1
  •  
  •  
  •  
  •  
    1
    Share
تنفّع من موارد توجيهية و تعليمية مجّانية