Skip to content

الوعي الأخلاقي

تنفّع من موارد توجيهية و تعليمية مجّانية
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

تمهيد للمحور:

الوعي بصفة عامة هو سيرورة من العمليات العقلية التي تسمح للإنسان بفهم العالم ونفسه. ويرتبط الوعي بنشاط الفرد وبتطور اللغة لديه، فيدرك الواقع إدراكا حسيا مباشرا، ثم يرتقي ويتطور ليصبح إدراكه إدراكا عقليا مجردا. أما الوعي الأخلاقي فهو قدرة الإنسان، من خلال فكره وعملياته العقلية، على إصدار أحكام معيارية على أفعاله وسلوكاته. فالوعي بمعناه الأول يفتح لنا إمكانات الاختيار، وبمعناه الثاني يضع معايير لهذا الاختيار، فيتيح التمييز بين الخير والشر، وبين المباح والممنوع. لكن مصدر وطبيعة الوعي الأخلاقي يطرح إشكالا أساسيا يتمحور حول ما إذا كان هذا الوعي فطريا غريزيا متأصلا في الطبيعة الإنسانية، أو نتاجا لتاريخ العلاقات الإنسانية. فما مصدر وما طبيعة الوعي الأخلاقي؟ هل هو فطري وله أساس في ذواتنا، أم أنه نتاج لعلاقات الصراع بين الإنسان والإنسان؟

الأطروحة 1  لـ: جون جاك روسو  النص رقم 3 ص 187

إن الوعي الأخلاقي، حسب روسو، متجذر في الطبيعة الإنسانية ذاتها، أي أن مبدأ الوعي الأخلاقي فطري غريزي في الإنسان، مما يعني أن الإنسان يتجه طبيعيا إلى قبول الخير ورفض الشر. يقول روسو في هذا الصدد: “يوجد في أعماق النفوس البشرية مبدأ فطري للعدالة والفضيلة تقوم عليه أحكامنا التي نصدرها على أفعالنا وأفعال الغير، فنصفها بالخيرة أو الشريرة”. وهذا المبدأ الفطري هو الذي يسميه روسو بالوعي الأخلاقي، وهو بمثابة غريزة تقود الإنسان إلى التمييز بين الخير والشر. ويؤكد هذا الفيلسوف أن أفعال الوعي الأخلاقي هي أحاسيس داخلية لها أساس في ذواتنا، وهي الأحاسيس التي بها نصدر الأحكام ونقدر ونعير الأفكار والأفعال. ويضيف روسو أن دافع الوعي الأخلاقي يولد من علاقة الإنسان مع ذاته وأشباهه، على أساس أن الإنسان ميال إلى حب الخير بمجرد إدراكه، باعتبار هذا الإدراك إحساسا فطريا؛ وهو ما يجعل الإنسان يسمو فوق مرتبة البهائم.

إن الوعي الأخلاقي، حسب تصور روسو، يجد مبدأه الأساسي في ما هو فطري وغريزي، فمصدره هو إحساس نقدر به الأفعال والأشياء، وهو وحده الذي يميز الإنسان عن الحيوان.

 

الأطروحة 2    لـ: ابن مسكويه  النص رقم 4 (نص إضافي)[*]

ما مصدر وطبيعة الوعي الأخلاقي؟ هل هو فطري له أساس في ذواتنا، أم أنه مكتسب يأتي عن طريق التهذيب والتأديب؟

حاول المفكر والفيلسوف المسلم أحمد ابن مسكويه (320-421هـ)، في كتابه “تهذيب الأخلاق”، الإجابة على هذا الإشكال من خلال مناقشة مختلف الأطروحات، التي حاولت بيان كيفية نشوء هذا الوعي الأخلاقي لدى الناس، وأسباب اختلاف طبائعهم وأفعالهم؛ مستخلصا أن الأخلاق لا تعتبر طبيعية في الإنسان، ولا تصدر عن المزاج، بل يكتسبها الفرد وتنتقل إليه عن طريق العادة والتأديب. فالسلوك الأخلاقي إنما يكتسبه الإنسان ويصير فيه بالتأديب والتقويم والمواعظ، سواء كان ذلك بشكل سريع  أو بطيء، وهو ما تؤكده المشاهدات العيانية. ويعتقد ابن مسكويه أن قبول الأخلاق الفاضلة يتحدد وفق مراتب الناس وطبائعهم، كما يتحدد وفق اختلاف أفعالهم.

 إن الوعي الأخلاقي، حسب منظور ابن مسكويه، ينشأ عن التأديب والتهذيب والتقويم، ويختلف بحسب مراتب الناس وطبائعهم وأفعالهم.

 

الأطروحة 3    لـ: فريدريك نيتشه  النص رقم 5 ص 188

في إطار بحثه الجينيالوجي، يقدم نيتشه تصورا حول أصل كل أحكامنا الأخلاقية وتصوراتنا حول الخير والشر، وحول أصل الوعي الأخلاقي؛ مبرزا أن هذا الأصل يتجذر في العلاقات  الإنسانية  الأولى المطبوعة بممارسة نوع من السيطرة والعنف والقسوة. ذلك أن التصورات الأخلاقية مثل الخطأ والضمير والواجب، إنما تم ترسيخها من خلال علاقات السيطرة هذه. فالعلاقة بين السادة والعبيد، بين الدائن والمدين مثلا، نجد فيها البوادر الأولى لميلاد الوعي الأخلاقي القائم على العقاب الجسدي، مما يعكس أهمية الشروط التاريخية المساهمة في تشكيل هذا الوعي. من هنا، يرفض نيتشه اتخاذ الالتزام الأخلاقي أساسا للفعل الأخلاقي، معتبرا ذلك جهلا بالذات وسوء فهم لها؛ خاصة عندما تدعي تلك الذات إمكانية تعميمه على كل الذوات الأخرى. وكبديل لهذا الالتزام، يشدد نيتشه على الأنانية الذاتية بما تعنيه من هناء وخنوع، باعتبارها أساسا للسلوك الإنساني عوض ذلك الالتزام الأخلاقي الزائف.

إن الوعي الأخلاقي، حسب تصور نيتشه، ليس إلا نتيجة للعلاقات الإنسانية الأولى التي نشأت بين الأسياد والعبيد، والتي رسخت، عبر مظاهر العقاب الجسدي، مفاهيم الواجب والخير.

استنتاج حول المحور الثاني:

يتبين في نهاية هذا المحور أن ما يبدو من اختلاف بين التصور القائل بفطرية الوعي الأخلاقي، والتصور القائل بطبيعته المكتسبة، لا ينفي إجماعهما على نظرة تفاؤلية بصدد هذا الوعي، باعتباره ما يجسد إنسانية الإنسان ويميزه عن الحيوان. لكن هذا الوعي السعيد لا ينبغي أن يجعلنا نتجاهل الشروط التاريخية التي ساهمت في نشأته، والتي تجعله، في حقيقته، وعيا شقيا.  

 


  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
تنفّع من موارد توجيهية و تعليمية مجّانية